-->

حتى لا يُسقطنا التاريخُ ..


حتى لا يُسقطنا التاريخُ    ..

بقلم: الدكتور عمران صبره الجازوي

إنَّ مما يملأُ الصدرَ ضيقاً ، والقلبَ كمداً وحزناً ما آل إليه حالُ الأمةِ الإسلاميةِ تلك الأمةُ التي جعلها اللهُ خيرَ أمةٍ أُخرجت للناسِ ؛ لصفاءِ عقيدتها ، وخلوّها من شوائبِ الشركِ ، وأدرانِ الإلحادِ صنعت في عهدِ نبيها - ﷺ - وصحابته - رضوان الله عليهم - أعظمَ حضارةٍ عرفها التاريخُ الإنساني ، التقت فيها السماءُ بالأرضِ سماؤها تشرّعُ ، وأرضها تستجيب وتمتثلُ فآتت أكلها ديناً وعلماً ، قواعد تُؤسسُ ،ومبادئ ترسّخُ حملت مشاعلَ النورِ إلى مشارقِ الأرضِ ومغاربها ، وأرست دعائمَ العدلِ بين أتباعها ورعاياها الذين تقلّهم أرضُها ، وتظلّهم سماؤها على حدٍّ سواء دونما تفريقٍ فكانت مؤهلةً - بحقٍّ - أن تتصدرَ لريادةِ الأممِ وقيادتها ، فسطّرت صفحاتٍ مشرقةٍ أتعبت التاريخَ في كتابتها ، وأقرت عيونَ من يقرأ لوضاءتها ، وتحوّلَ أتباعها من رعاةِ غنمٍ ، إلى قادةٍ للأمم ، تدينُ لهم الدنيا بأسرها ، وتقدّمُ لهم فروضَ الولاءِ والطاعةِ ؛ لأنهم جديرون بذلك ، وأصبح الآخرُ - على اختلافِ عقائده - ينظرُ إليهم بعينين : الأولى ملؤها التقدير والاحترام ، والثانية ملؤها الاندهاشُ والاستغرابُ ؛ لسرعةِ المنجزاتِ وضخامتها من ناحيةٍ ، ولرقي الأخلاقِ وسماحتها من ناحيةٍ أخرى ، الأمرُ الذي جعلهم يفتحون أكثرَ من نصفِ الأرضِ في أقلِّ من نصفِ قرنٍ ، ولم لا ؟ والعقيدةُ أرسخُ ما تكونُ ، وأعظمُ ما ينطوي عليه القلبُ ، والسلوكياتُ تنهلُ من المعينِ الذي لا ينضبُ ، والنقاءِ الذي لا يتعكرُ - كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ - ولكن هيهاتَ هيهاتَ أن نبقى في العلياءِ ، وقد فقدنا مقوماتِ التحليقِ تركنا الكتابَ والسنةَ اللذين قال فيهما  - ﷺ - : " تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتابَ الله وسنتي " ، وخلفناهما وراءنا ظهرياً فاستحالت وسطيتنا - أهم ما يميّزنا - إلى إفراطٍ بغيضٍ ، أو تفريطٍ مقيتٍ ، واستبدلنا ذلَّ المعصيةِ بعزِّ الطاعة ، هان اللهُ علينا فهنّا عليه ، { ومن يُهن اللهُ فماله من مُكرمٍ } سورة الحج  آية - 18 فضاع منّا أعظم ما ورثناه ، وتهدّم المجدُ الذي بنيناه ، ولله درُّ القائلِ :
إني تذكرتُ والذكرى مؤرقةٌ                       
                       مجداً تليداً بإيدينا أضعناه
     أنّى اتجهتَ إلى الإسلامِ في بلدٍ
                             تجده كالطيرِ مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنا يدٌ كنا نصرّفها
                           وبات يملكنا شعبٌ ملكناه
ما عاد لنا وزنٌ في أعينِ من كانوا رِعاعاً يتخبطون في ظلماتِ الجهلِ والتيه إبّان العصورِ الوسطى - عصور الظلام - فباتوا يستحوذون على أرضنا ، ويسلبون ثرواتنا ومقدّراتنا ، ويستبيحون محارمنا ، وصرنا ندفعُ لهم في عهدِ الضعفِ والإسفافِ أضعافَ ما أخذناه في عهدِ التمكينِ والاستخلافِ ، وحينما أعوزهم السيفُ لجأوا إلى الفكرِ ، فغزوا عقولنا ، وسممّوا أفكارنا ، وصدّروا لنا بضاعتهم المُزجاة من الإلحادِ والشذوذِ والعريّ والدياثةِ والخلاعةِ والمجونِ ، فراجت عندنا ؛  لأنها صادفت عقولاً فارغةً ، ونفوساً ضعيفةً سرعان ما خلعت ربقةَ التكاليف الشرعية ، وضربت بها عُرضَ الحائط ، فأصبحوا كالقطعانِ الشاردةِ  يناديهم ربهم قائلاً : { وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبلَ فتفرّق بكم عن سبيله .... } سورة الأنعام  آية - 153   زرعوا فينا بذرةَ الخوفِ منهم ، وتعاهدناها نحن بأموالنا وإيدينا ، فأثمرت خضوعاً ما خضعناه لرب الأرض والسمواتِ ، وخنوعاً تتوارثه أجيالنا من المولدِ حتى المماتِ .
والمستقرئُ لأحوال التاريخِ يعرفُ تمام المعرفةِ أنَّ له قلمين يكتبُ بأحدهما الإيجابيات ، وبالآخرِ السلبياتِ ، وأراه الآن قد نحّى حيالنا قلمَ الإيجابيات ، وأمسك بقلمِ السلبياتِ يكتبُ مثالبنا التي يندى من قراءتها الجبين ،وأخشى ما أخشاه أن   يغلقَ التاريخُ بابه دوننا ، وينفضَ إيديه منّا ، ويسقطنا من حساباته فاللهم سلّم ، اللهم سلّم .
TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق


الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *